بقلم عيسى قراقعرفات الشهداء الأسيرة والمحجوزة في مقابر الأرقام العسكرية الإسرائيليةمنذ سنوات طويلة، تتعرض لنهش الوحوش والطيور الكاسرة وللانجرافبسبب سيول الأمطار.
أربع مقابر كشف عنها داخل إسرائيل، تفتقد للحد الأدنى من الشروط الإنسانية والدينية والأخلاقية، يقبع فيها مئات الشهداء والمفقودين الذين سقطوا خلال الحروب والمقاومة منذ 1948.حكومة إسرائيل لا تكتفي بمعاقبة الأحياء، بل بمعاقبة الأموات بعد موتهم، ومعاقبة أهاليهم وأطفالهم الذين يفتقدون إلى قبرٍ لابنهم يضعون عليه ورداً أو يزورونه في أيام العيد.المقابر الجماعية والفردية هي أكثر مما كشف عنها، ولكنها اندثرت أو أُخفيت، وضاعت الأجساد كما ضاعت الأسماء في غمرة الصراع وفرض املاءات القوة والسيطرة على المكان والزمان.في كل سنة يتم اكتشاف قبرٍ جماعي يطفح بالجماجم والعظام يدل على مذبحة وإبادة ارتكبت بحق السكان المدنيين، كان آخرها قبر جماعي اكتشف في ايلات للجنود المصريين الذين قتلوا بعد وقوعهم بالأسرفي حرب 1956...المؤرخ الإسرائيلي "بني مورس" كشف النقاب عن مذبحتي الطنطورة والدوايمة مبرزاً وثائقاً تدين وتفضح الرواية الإسرائيلية الخادعة حول النكبة ومأساة اللاجئين.الشهداء في المقابر العسكرية المحظورة لا تدل عليهم أسماء، وإنما توضع على أضرحتهم أرقاماً غير متسلسلة مثبتة على لوحات معدنية أكلها الصدأ والغبار،تحيط بها الصخور والأحراش وعواء الوحوش ونعيق الغربان.لا أحد وثق بدقة أسماء الشهداء المحجوزين والمفقودين مما يدل على تقاعس وإهمال كبيرين على المستويين العربي والفلسطيني، خاصة أن الشهداء المأسورين هم من جنسيات فلسطينية وعربية مختلفة..لم تحتجز حكومات إسرائيل الشهداء بهدف عقاب جماعي لهم ولذويهم فقط، وإنما لإخفاء حقائق ومعطيات أثبتت عبر ممارسات الاحتلال أن كثير من الشهداء قد اعدموا بعد أسرهم وإلقاء القبض عليهم، ويأتي احتجازهم اخفاءً لهذه الحقائق وهروباً من المسؤولية الدولية عن جرائم حرب ارتكبتها حكومات إسرائيل.وقد تبين أن كثير من الشهداء المحتجزين استخدموا كقطع غيار بشرية أو سرقت أعضاء من أجسادهم وصاروا حقولاً لتجارب طبية في إسرائيل ليشكل ذلك دافعاً آخر لاحتجاز اجسادهم...القانون الدولي الإنساني الذي يوفر الحماية والحرمة لجثث الأشخاص الذين يسقطون خلال الحروب أو أثناء الاعتقال ظل غائباً عن التطبيق، وتوفير آليات لملاحقة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الموتى.لا يصدق أحد أن حكومة إسرائيل قد حكمت على الشهيدة دلال المغربي بعد استشهادها عام 1978 بالحكم المؤبد تقضيه داخل غرفة زجاجية مبردة بملابسها العسكرية منذ ذلك الوقت...ولا يصدق أحد أن الشهيد علي الجعفري الذي سقط خلال إضراب سجن نفحة عام 1981 قد قضت جثته ثلاثة عشر عاماً محجوزة في مقابر الأرقام ولا يزال الشهيد مضرباً عن الطعام...أحد شهود العيان وصف كيف تأتي الحيوانات المفترسة وتغرس أنيابها في أجساد الموتى بعد أن تنبش القبور، وكيف تنقض عليها الطيور الجارحة، مشاهد تقشعر لها الأبدان...الجثث الأسيرة تسحبها الحيوانات أو سيول الأمطار، ويسحبها النسيان السياسي وغياب هذا الملف الإنساني الكبير عن أجندة المفاوضات وأروقة الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان...النمس كان أشرس الحيوانات التي تدخل إلى مقابر الأرقام، وتقوم بالحفر ثم تستخرج الجثة تمزقها وتأكلها وتنعفها في المكان.المصير المجهول لم يعد فقط في الحياة، وإنما أيضاً في التراب، لا أسماء ولا هوية ولا شواهد ولا استقرار ولا من يبحث عن الشهداء سوى النمس الجريء الذي يتخطى الأسلاك المكهربة وحظر منع الدخول.يبدو أن علينا أن نتعلم من الأسطورة اليهودية التي تقول: ان روح اليهودي تبقى تتعذب تحت الأرض حتى يتم نقل جثته إلى مقبرة يهودية.ليس قدراً إسطورياً أن تبقى أرواح شهدائنا تتعذب تحت التراب من غير مستقر بلا باقات زهور ولا جنازات وبلا وداع ومشيعين...لا زالت صور الشهداء معلقة على جدران البيوت وفي الذاكرة، تنتظر إرادة في القرار السياسي وتحركاً جدياً من المجتمع الدولي للكشف عن المفقودين والمقابر السرية وأسماء الشهداء الذين ضاعوا إما في غمرة الحرب وإما بين أنياب النمس فقدوا حقهم في الحياة وفي الممات...