لو ان الاسير الفلسطيني يروي للعالم قصة تجهيز الفلافل الاسطورية في المعتقل لتحفظ العالم بشدة على هذه الرواية لما تفتقد اليه من موضوعية...
اذ ان هذا الفلافل الدائري الشكل والبني اللون والشهي المذاق والمكون من حبوب الحمص يرهق الاسير كثيراً في بروتوكولات تجهيزه وقليه...
فإعداد وجبة الفلافل يومياً او اسبوعياً او حتى شهرياً يعود الى قدرة وعزم الأسرى الذين سيتناولون هذه الوجبة.. بحيث ان طحن آلاف حبات الحمص بعد يوم من نقعها في الماء يحتاج الى اياد قوية وصبورة قادرة على ازالة القشور عن الحبوب ثم خوض حرب طاحنة ضد الحمص... وغالباً ما تكون اداة الطحن عبوة بلاستيكية مليئة بالماء ومغلقة بإحكام.. على ان يضرب الحمص ضرباً مبرحاً برأس العبوة...
وتستمر العمليات والمعارك الطاحنة التي ترتكز على مبدأ الكر والفر لمدة ساعة واحياناً الى ساعتين...
وتبدأ جولة التجهيزات والوصفات الاضافية حتى يصبح الفلافل جاهزاً من اجل بلوغ المرحلة النهائية الا وهي عملية القلي.. ولكن ما قبل هذه المرحلة الاخيرة يطلب الاسير الطباخ ومساعدوه من المقلاة هدنة لا تتجاوز نصف ساعة يأخذون من خلالها قسطاً من الراحة والنكات لدرجة انهم يفكرون بالقيام بهذه التجربة « الفلافلية » في الخارج عندما ينتزعون حريتهم... في حال لم يصدقهم احد.
هنا فقط يستنتج الاسير استنتاجاً يقوده الى الضحك ان عملية اعداد وتجهيز الفلافل التي استمرت لمدة يوم من النقع ونصف يوم آخر من الطحن بالاضافة الى الإرهاق البدني لا تأخذ من وقته في مكانه الطبيعي في الخارج سوى دقائق... في نفس الوقت
مدة اليوم ونصف اليوم من نقع وطحن وتجهيز وقلي ذهبت كلها ادراج شطيرة واحدة التهمت في دقائق... ولكن طقوس واهازيج الفلافل في المعتقل غريبة ونادرة لدرجة انها عندما تصبح ذكريات فإنها تكون ذكريات جميلة ورائعة بالرغم مما كان يحيط بها من اسوار شائكة وظلام...