في ساحة المهد ، وفي أحدى قاعات مركز السلام تم افتتاح معرض البوستر لأكثر من ثلاثين فناناً فلسطينياً ، عبروا بريشتهم عن واقع الحركة الأسيرة الفلسطينية داخل سجون الاحتلال .
مربع ازرق عنوان هذا المعرض الذي نظمه مركز أبو جهاد لدراسات الحركة الأسيرة ، في نفس القاعة التي تحولت عام 2002 إلى غرفة عمليات عسكرية لجيش الاحتلال خلال حصار كنيسة المهد وإعادة صلب المسيح واحتراق أغصان شجرة الميلاد .
البحث عن الأزرق ، هي معركة اللوحة الشرسة مع الألوان التي يطغي عليها السواد ، كل شيء أسود : الباب والماء والكلام ، وحتى الأحلام لا تأتي إلا على شكل كوابيس سوداء .
والأزرق فلسطينياً هو الحالة الواقعة بين الموت والحياة ، بين الحرية المنظورة وجروحها النازفة ، تقترب وتبتعد ، وهي نداء القيامة عند حسين ألبرغوثي ، واللحظة التي تسبق النزول إلى البياض عند محمود درويش .
في تلك المسالخ الموروثة منذ بداية عصور الاحتلال منذ صرفند حتى معسكر النقب ، كانت مهمة الأسرى البحث عن الطبيعة القادمة على بساط أزرق من سماء رمادية تمارس دورتها بمواعيد لا يفهمها إلا قلب الإنسان .
وعندما صارت السماء قطعة مربع ، لم يعد الأسير يعرف أن شبحه لا يشبهه ، غارقاً في منفى بعيد ، لا فرق بين الضباب والسراب ، قام برحلته الماروثونيه مستعيناً بيديه وصوته ليرى ما وراء الأرض من ظلال ....
الأسرى ينتظرون وكأنهم لا ينتظرون أحداً ، لم يقرع الباب أي زائر منذ ثلاثين عاماً ، حتى المطر يبتعد ، ورائحة الانتباه الذي يأتي عادة كل شتاء ....
الأزرق هو هذا الجسد الذي تحول إلى معبد ، وقد مر بكل الطقوس المطلوبة : العلقة ، العفونة ، التعذيب ، الحرمان ، القهر ، النسيان ، التحلل من الملح وبنوءة العسل ، وما على الجميع حتى يعرفون أنفسهم سوى الوصول إلى هذا الجسد ، إما لطلب الغفران أو للسكن في جسد المعذبين .
مربع ازرق يطل من نافذة صغيرة، يتسلل خلسة في ساعة الصباح إلى أسير يراجع أيامه العائدات من المؤبد في أغنية فتحت كلماتها للقمر ....
مربع ازرق ليس إعلان هدنة بين جنازة وأخرى استعدادا لموت قادم ، ولا هو الحالة تسبق السلام العادل أو الرادع ، أنه برقية تذكر بوجود بشر يقعون بين السماوات والأرض لم يصلهم بعد المؤرخون وخبراء الزلازل ولا أنبياء التفاوض ...
الأسرى هم الوحيدون الذين يموتون بصمت دون انفعال وشهقات ووصايا ، لا عادات للموت هناك في الرماد .... الوحيدون الذين يقبرون في اللوحة أو على جدار ....
مفرداتهم تأتلف في أحلامهم ، هي أرضهم التي لم تستوعب منامهم الطويل ، كل شيء علقوه في جروحهم واختاروا أن يسافروا في الأزرق ،ليس أمامهم خيار سوى أن يعودوا سالمين أو يتحجر الجميع معهم في الصدى .....
في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب ، يتسع المربع ، ويصير الأزرق هو سيد المكان ، كم معذباً مر على جناح هذا الأزرق ، اختفى في الأبدية ،لا أسم ولا محكمة ولا من يلعن الظلام ويحاول أن يتسلق بين نافذتين ليرى كم قتيلاً يشبهه هناك ....
مربع أزرق ، الغامض في الموقف ، التناقض في التفسير عن المفهوم الذي يحرك الغيوم أهي البطولة أم الرأسمال ،... الأزرق يسأل عن عنوان المرحلة ، والأزرق يجيب أن للبطولة أيضاً تاريخ انتهاء صلاحية كما قال الشاعر درويش ....
مربع أزرق : تصريح سياسي ثوري على حاجز عسكري يسمى حواره أو تياسير أو واد النار ، لأنه كلما جفت الفكرة زاد عدد السجناء المنهمكين في البحث عن مدخل إلى السماء أو عند بئر ماء ، أصواتهم تخلو من النبوءة ، تشبه الغثاء ...
مربع أزرق : مرثية لأمهات الأسرى القدامى الذي قضوا أكثر من ربع قرن ، بعضهن توفين والأخريات على طريق الموت في رحلة الحياة من شباك زيارة إلى أخر دون المرور من رام الله أو من ساحل المتوسط أو التوقف أمام موظف يتحول من فدائي إلى سلطان ، ومن سلطان إلى متقاعد ، ومن متقاعد إلى قاضي يرتدي اللباس الأزرق .