إن جميع صفقات تبادل الأسرى في الصراع العربي الإسرائيلي لم تأت ثمرة لعملية سلام أو حتى اتفاق هدنة بين الطرفين، بل جاءت في سياق حرب الاحتلال المتواصلة على حقوق الشعب الفلسطيني، لتتحول صفقات التبادل إلى عنوان لبقاء المحتل وتعمقه وتوسعه في الحياة الفلسطينية.
إن جميع عمليات الإفراج عن الأسرى في إطار الاتفاقات الجزئية والمرحلية، حملت في أبعادها رائحة الحرب المستمرة، حيث ظلت محكومة بشروط المدفع الإسرائيلي ومعايير أمنية وعسكرية مجحفة على قاعدة استخدام الأسرى ورقة للمساومة والضغط والابتزاز.
لم تفرج إسرائيل عن الأسرى الفلسطينيين إلا واعتقلت أكثر مما أفرجت عنهم، بل توسع الاعتقال، وزادت أعداد السجون والمعسكرات، وأصبحت الإجراءات التعسفية بحق الأسرى أكثر قسوة وشدة.
العقلية الإسرائيلية ظلت تتعاطى مع قضية الأسرى كملف خارج إطار أي عملية سلام ولم تقتنع في أي لحظة أن قضية الأسرى تعتبر مفصل هام وأساسي في بناء أي سلام عادل وجدي في المنطقة.
لقد جردت إسرائيل الأسرى من حقوقهم الإنسانية والوطنية، وحاولت أن تنزع الشرعية القانونية عنهم باعتبارهم جنود حرية وأسرى حرب، وتعاملت معهم كإرهابيين ومجرمين وأيديهم ملطخة بالدم، وأصبح مقياس البطولة في إسرائيل هو احتجاز مزيد من الأسرى والتعنت في المواقف المتعلقة بحريتهم.
مما يثير الدهشة هو تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية اولمرت الذي يزعجه في كل ما يتعلق بصفقة تبادل الأسرى المنتظرة مع منظمة حزب الله هو فرح الفلسطينيين وأهالي الأسرى بالإفراج عن أبنائهم معتبرا أن كارثة قومية ستحل بإسرائيل إذا ما أفرج عن عدد من الأسرى ورفات الموتى
لو استطاع رئيس الحكومة الإسرائيلية أن يضع شرطا يقضي بالإفراج عن أسرى مقابل أن لا يفرح ولا يبتهج الفلسطينيين بذلك لما توانى عن طرح هذا الاشتراط العنصري.
ولعل قراءة لردة الفعل الإسرائيلي يستنتج المرء بان إسرائيل تتصرف وكأنها دولة غير محتلة، وانه لا يوجد احد عشر ألف أسير فلسطيني يقبعون في سجونها منذ سنوات طويلة، وكأن الأسرى الفلسطينيين والعرب ليس لهم أمهات وأطفال ،ليس من حقهم البحث عن الحرية والتخلص من المعاناة التي سببها الاحتلال.
لم يتعلم الإسرائيلي أن للاحتلال ثمنا يدفعه الطرفين وان الشعوب المقهورة من حقها الشرعي أن تناضل في سبيل حريتها واستقلالها ، بل لم يفكر لحظة كيف تتوقف هذه الحرب ، بدل استمرار انتظار صفقة تبادل أخرى كما يقول الصحفي الإسرائيلي ( بن كاسبيت ) إلى اللقاء في الاختطاف التالي.
إسرائيل في منهج تعاطيها مع قضية الأسرى تؤكد أن اسر الجنود هو الحل الوحيد لإعادة الأسرى من كلا الطرفين ، فهي تكرس استمرار العداء و الصراع بعد أن أفشلت الوصول إلى سلام بالحوار والمفاوضات ، بل أنها أفرغت هذه المفاوضات من معناها و حولتها إلى وسيلة لبقاء الاحتلال والسيطرة على الشعب الفلسطيني.
إن قراءة لواقع الأسرى منذ ثماني سنوات نجد أن إسرائيل شنت حربا واسعة وغير مسبوقة على الأسرى وحقوقهم ووصل الأمر إلى تشريع إجراءاتها التعسفية بحقهم.
وفي ظل صمت المجتمع الدولي تعرض الأسرى للإهمال الطبي والعزل في الزنازين وللقمع والاعتداء المتواصل ولسياسة فرض الغرامات والأحكام العالية بحقهم ،وفرض الاعتقال الإداري التعسفي على الآلاف ، وحرم أهالي الأسرى من الزيارات وآخرها محاولات إجبار الأسرى ارتداء الزي البرتقالي الذي أصبح عنوانا عالميا للإرهابيين والمجرمين.
عدد من الأسرى في طريقه إلى البيت، بلا لباس برتقالي، مشحونون بالحياة التي لم يدركها الإسرائيليون إلا بعد أن وقع جنودهم في الأسر، فليس دائما الأقوياء يربحون، وليس دائما السجان له الحق الوحيد والمطلق في الكلام والقرار.
(هناك عائلات تحلم بعودة أبنائها )عنوان إعلان إسرائيلي في الصحف يقدم جوائز نقدية باهظة لمن يدلي بمعلومات عن جنود إسرائيليين مفقودين.
الفلسطينيون لم يضعوا إعلانا مشابها، يرفضون أن يكون ثمن الأسرى ماديا، الفلسطينيون انطلقوا إلى السلام العادل الذي يضع حدا للسجن والآلام ويعطي فرصة للحياة المشتركة، احتراما لكرامة الإنسان وحقه في الحياة.
الإعلان الإسرائيلي يعبر عن نزعة العسكرة والتفوق والاستهتار بمشاعر الآخرين، لا زالت أياديهم تضغط على الزناد ، ولا زال الجلاد قلقا من كابوس يحوله من سجان إلى سجين، ومن سجين إلى مجرد إعلان في صحيفة ومادة للمزاودة على طاولة حكومته.التي يحكمها جنرال ذو ذاكرة مفعمة بالموت.