شكى أسرى النقب من أفاعي الصحراء التي بدأت تهاجمهم في هذا الصيف القائظ، حيث الحياة هناك في الجرداء الساخنة وداخل أقفاص حجرية من الجدران العالية لم تعد تطاق.
الأسرى يعيشون في أبار صحراوية خالية إلا من الصدى ،بعيدون بعيدون كأنهم في رحلة إلى الغياب، وعليهم أن يخوضوا صراعا جديدا مع الصحراء وأفاعيها وفي ظل انحباس السماء وجفاف المياه .
لا عشب ولا هواء ولا طيراً مهاجرا يلقى السلام على ارض النقب تائهاً في تلك الأقاصي أو هاربا من صياد يحتل الأرض والسماء.
الأفعى سوداء سوداء تطوق المكان، لها أشواك فولاذية وأنياب ودروع وسم قاتل تميز رائحة الإنسان عن رائحة الجماد، تتحرك كلما تنفس أسير أو ترك حلمه معلقا على شباك أو مسكوبا على وسادة من مشتاح خشبي يشبه حمالة الموتى.
الأفعى صاحية، لها أسماء كثيرة ذكرها لسان العرب ويحفظها الأسرى بكل اللغات وهي قديمة تتجدد كلما اتسعت المعسكرات وزاد عدد الأسرى وسكنت أمنياتهم في خباء الليل الطويل.
ويروى في كتب التدوين والأساطير أن أفعى النقب قد أكلت كل البشر وحولت لحمهم إلى رمال وعظمهم إلى كثبان وأحلامهم إلى سراب.
صحراء خالية من الوجود الإنساني ومن الصور، لا نسمع فيها غير فحيح الأفاعي وعواء الذئاب وخواطر أسرى تأخروا عن الموت قليلا أو أسرعوا إلى الحياة بلا ساعة ولادة.
من يسمعهم سوى الأفعى، من يغسل ليلهم ويخفض سعالهم ويشرح لهم أين يقع القمر، وعلاقته بالوطن والمرأة والليل المبلول على صدر فجر يطل كلما ناديت حيا.
الأفعى تنادي على الأسرى رقما رقما، تصنفهم كل يوم حسب قرون استشعاراتها تحشرهم تحت ثوبها الرمادي مراهنة أن يتحول صوت الحرية إلى غبار باتجاه عكسي يعمي الناظرين والواهمين بسلام الأفاعي.
أفعى تبلع الوطن والإنسان، تركت لنا مساحة للصراخ ولأنماط تقليدية من الشعارات، سارت معنا مرحلة مرحلة، وفي كل مرحلة تزداد طولا أما نحن فنقل عددا ونكثر في الجنازات.
أفعى تطل برأسها، لها صوت يشبه مزامير آباء بني إسرائيل الأوائل الذين احتلوا التلال والسهول والبحر وتركونا بلا سماء.
هنا، أفعى في حبة الدواء ، في الوريد ، في ضوء باهت داخل زنزانة مظلمة ، تراوغك تحت النخلة حتى تمر القافلة ، وتقتلك بهدوء تحت عابر من السحاب .
كم تجربة أجريت في الصحراء منذ أن كانت موطئ الأنبياء حتى اكتشاف البحر ومفاعل ديمونا ومرور مائة ألف أسير بين انتفاضتين دون أن تمتلئ الصحراء أو ترفع الروح إلى مرتبة الانتباه .
وقد اعتقد البعض انه سوف ينجح في ترويض الأفعى، يصادقها، ينتزع السم من جوفها، قالوا: كل شيء يتغير حتى صوت الأفعى قد يصير صوت هديل حمام، مغامرة، جعلت الأفعى تهيمن وتطرد الموجود من الوجود.
في النقب هيجان الصحراء، لا احد يحتفل بعيد ميلاده،بل الجميع يفكر بموعد موته أو جنونه ،ومن ادعى انه سار على خريطة تؤدي إلى نهاية الطريق فقد تاه ، لم يجد عصاه ، لم يجد جبلا يخاطبه لعل رحمة من الله تنقذه بأية أو سكينة تدله على مفاتيح البراهين .
أفعى النقب هنا، حيث نسير، تحت الشجرة، بين الورد، قرب البيت، في القصيدة، في كأس الماء، في الوعي الذي صار يفكر خارج الواقع، أعمى ينتظر نورا في حبة رصاص.
في النقب احتفالات ونشوة وتأوهات، معاقين وأطفال ومحتضرين، ليس عندهم مدينة ولا قرية، لا يسهرون في المقاهي، لا يركبون سيارات لا يرقصون في الملاهي، لا يغازلون البنات الجميلات، لكنهم يحتفلون إذا ما بقوا على قيد الحياة.
الأسرى لا يميزون بين جلاد مقدس وجلاد غير مقدس، لا يفاوضون جنرالا لمجرد انه خلع بزته العسكرية، لم تصلهم هدنة الصيف ولا مطر الشتاء.
إنهم يكتفون بالأمل( قوة الضعيف المستعصية على المقايضة ) وصدق من قال: إن شعباً يعيش بين الأفاعي لا يلدغ من جحر مرتين ولا يضيع مكانه وزمانه بين لقاءين أو ألف لقاء لا يسمع فيها ضجيج الحرية وانسحاب الأفاعي من مفاوضات الموت.
في المحكمة تسألك الأفعى أين جدك ؟
- في السجن
- أين أبوك
- في السجن
- أين أمك
- في السجن
تستشيط الأفعى غضباً وهي تفتش عن مادة قانونية تجيز لدولة محتلة أن تحاكم شعباً جميعه بالوراثة صار بالسجن .