بعد ثلاثين عاما تحرر سمير قنطار من السجن وكسب المراهنة على الزمن الذي هيمن عليه الاحتلال طوال هذه المدة.
الوقت ليس دائما لصالح الأقوياء لان الحرية لا تقاس بزمن محدد، بل بإرادة قادرة على تحويل الوقت من أداة لإطالة الموت البطيء إلى أداة مختلفة للحياة.
أخيرا انتصرت الحياة وخرج سمير من تسع أبواب مغلقات، اعزل إلا من قلبه النابض، تعطشه للنهار الذي اختفى طويلا، وبقي السجان مدججا بالأسلحة والسلاسل وقنابل الغاز مختنقا بين ألاف الأسرى في زنازينهم وهم ينشدون.
ولم يتوقع المحتلون أن يأتي يوم لينبشوا التراب عن جسد دلال المغربي ،لتقف من جديد على قدميها ،ترتدي كوفيتها وعتادها وتركب البحر إلى البيت أميرة لملمت دمها النازف حناءً لتستعيد رمزيتها وبريقها الأسطوري.
هل استفاق السجانون أخيرا واستعادوا مقولة القائد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ( أن ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) ، وان الحق لا يموت في السجن ولا في القبر مهما بلغت القوة العاتية.
إن الاسرائيلين ألان أُجبروا على فتح الأبواب ،وإيقاظ الأجساد المحجوزة والتنازل عن شروطهم المجحفة كأنهم يعترفون أن كل ما فعله الاحتلال بالشعب الفلسطيني لم يستطع أن يخمد صوت الضحية ..... يعودون إلى البداية في مشهد لا أخلاقي وفضيحة كفيلة أن تسكت كل المزامير الخرافية التي انشدوها في الحرب.
خرج سمير، وبقي السجان، معادلة يتقنها الشعب المقهور فقط، سر البقاء والتحايل على المؤبد الذي توقف عن عد السنين البائسات القادمات.
إن لصفقة التبادل التي جرت بين حزب الله وإسرائيل دلالات كثيرة أهمها أن صوت الحرية دائما أقوى من صوت الاحتلال، وان حسابات الحرب وقمع الآخرين تتحول إلى الضد في حسابات الإنسانية والكرامة البشرية.
كان بإمكان حكومة إسرائيل أن تفرج عن سمير وآلاف الأسرى والشهداء في عملية سلام جدية تحقق الاستقرار للجميع وتنهي المعاناة ،ولكن سلام الردع الإسرائيلي وتحويل الناس إلى عبيد وسجناء في وطنهم يدفع السجان في لحظة ما أن يصبح سجينا لأدواته ومفاهيمه وعقليته العسكرية.
في الليلة الأخيرة ودع الأسرى في سجن هداريم سمير القنطار ، حضر القمرُ والشمسُ ولأول مرة يلتقيان .. الليل والنهار يمتزجان ، يتوسع النشيد : شاطئاً في حيفا ، وملائكة في بيروت لأول مرة أيضاً يختفي السجان ..
خرج سمير وبقي السجان غير قادر على التحرر من ذاكرة الموت والتعايش مع الآخرين ، أسيراً للغموض الذي يشبه الحرب ، لا يحتفل بعيد ميلاده ، مستنفراً ، محاولاً أن يجد فارقاً بينه وبين أكوام الحديد عندما أضاع صوته في ضجيج الفولاذ وعواء الصدى .
استشهدت دلال المغربي واعتقل سمير القنطار، سمير ذهب إلى السجن ليكمل قراءة وصية دلال، أما دلال فقد ذهبت إلى الأبدية لتفتح شباكا واسعا لحرية سمير، توعده بلقاء.
الروح والجسد لا يفترقان ، جدلية تشكل قضية تعيد صياغة التاريخ الفلسطيني مجدداً .. في حين أن الإسرائيلي توقف عن صناعة تاريخه بعد أن وجد أن الصورة لا تتطابق مع الواقع ..
أستعار سمير القنطار روح دلال المغربي من الحياة لحين عودتها ، وهي قصة الوجود الفلسطيني وإنعتاق الميت من الحيً ، لأن مصيرنا أن نكمل حياة الآخرين فينا ..
كل بعيد يقترب ، وكل شهيد يملك ولادتين فوق الولادة التي يملكها الميت العادي : العمادة والموت ، وهو امتياز خاص بالفلسطيني ..
كل أسير له سماء ومكان ومشوارٌ طويل إلى أحلامه ، وما يكفيه لترتيب يوم حريته ، إلا السجان يسير من مكان ضيق إلى مكان أضيق ، نازلاً الى قبرٍ فاغرٍ فاه .. هل بدأ السجان يتعود على الخسارة ، ويدرك أن السجن فخٌ ، لأن غياب المعتقلين يحرمه من أسباب الحياة ، هو يتدرب على أنجع أساليب القمع ، والأسرى يتدربون على أنجع الأساليب في استحضار الأمل لكل ليلة اَتيه .سمير ودلال، الحي والميت يكتملان الآن....يخرجان من حدود الدولة التي صارت مقبرة للأحرار . يتألقان في السماء، يمران عن القدس والبحر، ينظران إلى السجان المذهول وهو يرى كيف تمتد يد الموت لتشد يد الحرية إلى الأعلى في عرس لم ينته بعد.