الرئيسيةتقاريرالتعذيب وسيلة جديدة لإذلال ذوي الاسرى: التعري ضريبة تدفعها زائرات الأسرى في سجون الاحتلال
وسيلة جديدة لإذلال ذوي الاسرى: التعري ضريبة تدفعها زائرات الأسرى في سجون الاحتلال
28/07/2008
كتب عاطف أبو الرب- منذ سنتين لم تزر شقيقها وقد لا تزوره حتىيخرج من السجن، هذا ما أصبحت متيقنة منه، فهي ورغم مرور عامين على اعتقال شقيقها،ورغم شوقها الشديد له إلا أن ظروفها حالت دون زيارتها له طوال تلك الفترة.
بعد أنحزمت ( ع.م)أمرها قررت أن تزور شقيقها، فهي لم تعد قادرة على فراقه، ويغلبهاالشوق والحنين. تقدمت بطلب الحصول على تصريح أسوة بباقي المواطنين، وكان لها ماطلبت. حصلت على التصريح، وسألت عن تفاصيل السفر.
حيث حذرها من سبقها من النساء منارتداء ملابس ذات الأزرار المعدنية، وكذلك حذروها من وضع دبابيس في المنديل، كماحذرتها النسوة من ارتداء الحلي والمصاغ، وكانت تصغي لكل هذه التعليمات وتعمل علىحفظها. لم تنم(ع.م ( تلك الليلة، وبقيت تفكر بغدها، وطوال الليل كانت تفكربما سيحدث، استعادت كل التفاصيل التي سمعتها على مدار العامين الماضيين، فتخيلتالمعبر الذي ستمر منه، وكيف ستتصرف، تخيلت المجندة وهي تنادي عليها وعلى غيرها،تخيلت في تلك الليلة الحافلة التي تقل الزوار، وتخيلت عملية الانتقال من حافلة إلىحافلة، منت نفسها بالنوم في الحافلة الإسرائيلية، فالمسافة طويلة جدا، والكل يؤكدأن النوم سيد الموقف في هذه الرحلة، لذا فالنوم في هذه الليلة ليس مهماً، فغداً نومطويل. أزعجتها فكرة النوم، فهي لا تفضل النوم في مثل هذا السفر. حاولت أن تغمضعينيها، لكنها ما أن تغمض العيون حتى تداهمها أفكار متضاربة، فكيف لها أن تقابلشقيقها، وماذا ستقول له بعد هذا الغياب، كيف ستعتذر له عن عدم زيارته طوال الفترةالماضية، كم من الوقت يستغرقها حتى تفيض بكل ما تختزن من مشاعر الحب والشوق.
تتذكرفجأة أن الزيارة تكون من وراء حجب، تداهمها هواجس كثيرة، عندما تتذكر أنه لن يكونبمقدورها ملامسة شقيقها، وأنها لن تتمكن من الهمس بأذنيه، فوسيلتها لذلك جهاز هاتفوضع خصيصاً لكل زائر. يتكدر مزاجها، وتعصف بها أفكار سيئة. تتخطى كل هذه التخيلات،وتحاول من جديد أن تنام من جديد. بقيت على هذه الحالة حتى حان موعد الانطلاق، فحملتنفسها، وتفقدت أمرها، ها هي بطاقة الهوية، وهذا التصريح. تفقدت ملابسها، لا معادن،ولا حلي.
توجهت مع غيرها من الزوار من بلدتها إلى مدينة جنين، وصلت المكان المخصصلتجمع الزائرين، ووقفت مع المنتظرين، وصلت الحافلة، وبدأ الزوار بالصعود، وكان موظفالصليب الأحمر يتأكد من سلامة الأوراق، ويصدر تعليمات للزائرين. ركبت مع من ركب،وبعد اكتمال العدد غادرت الحافلة جنين باتجاه معبر الجلمة.
وما هي إلا دقائق حتىتوقفت الحافلة هناك، وطالب السائق الزوار بالنزول، ودعاهم لتفقد أغراضهم. وقال فيماقال لهم، الكل يأخذ حاجته معه، لأنكم ستنتقلون إلى حافلة غير هذه الحافلة. لم تفكركثيراً، فهي لا تحمل معها شيئا اليوم. نزلت وحاولت أن تكن أول الذين يدخلون الحاجز،فهي تواقة لأن تجد نفسها في الطرف الثاني، هي تحاول أن تطمئن نفسها بأنها في طريقهاإلى اللقاء الموعود منذ عامين أو يزيد.
وكان لها ما ارادت فقد سبقها للتفتيش عددقليل جداً من الزائرين. سمعت التعليمات وهي تحط خطواتها الأولى داخل المعبر، سمعتصوتا يقول< حط كل شيء معاك على جنب، ادخل من الباب، وقف ارفع ايديك، وقف لاتتحرك، تعال هنا على المكانة، إذا معاك فلوس ولا شيء آخر حطهم على جنب، وضعتمحفظتها جانباً ودخلت بسرعة، صوت صفير ناعم لم تكترث له، وكان الأمر لا يعنيها،ارتفعت حدة الصوت، وتحول إلى صراخ وقف.. وقف.. وقف، ولأن المنادي ينادي بصيغةالمذكر، لم تفكر أنها المقصود، كما أن الموقف جعلها مرتبكة جداً. لحظات قليلة جداً،أدركت أنها المقصود، توقفت فأمرها الصوت بتفقد أمرها، والعودة مرة ثانية للمكانة،فتكرر نفس الصوت. الصوت الذي لم تر مصدره أمرها الوقوف جانباً، ودعا آخر للدخول،الناس يمرون دون أن تصدر الماكنة أي صوت، بدأت تفكر في سر الصوت الذي تصدرهالماكنة، ولم يسعفها تفكيرها من معرفة السر.
عاد المتحدث وقال بنت، مرة، ادخلي علىالغرفة، لم تعرف أين الغرفة، فصارت التوجيهات تصلها عبر مكبر صوت، باب أصم ليس بهمن شكل الأبواب التي تألفها أي معلم، اتبعت التعليمات، دفعت الباب بقوة، وشعرت أنهيغلبها، لكنها أمام إلحاح المنادي، تمكنت من دفع الباب.
ثلاثة مقاعد حديدية، تملأالغرفة، وهي ليست غرفة بالمعنى المألوف. كانت امرأة قد سبقتها لهذه الغرفة.
صمتمخيف، لم تحاول الحديث، وخافت أن تجلس على الكرسي، حتى بادرتها المرأة وقالت لهااجلسي، في البداية شعرت بوخز وتردد، لكنها نظرت صوب الكرسي، وجلست ولم تتحدث. بعدأن هدأت قليلاً من الموقف، نظرت صوت من سبقتها، وسألت لماذا هي هنا، فعرفت أن السببنفس الماكنة اللعينة، التي تصدر أصوات صفير. حاولت أن تستجمع نفسها لمواجهة الموقف،وحاولت أن تعرف من زميلتها في هذا الظرف، سبل التصرف، فتبين لها أن من سبق لا يعرفشيئا عن أسرار هذه الرحلة. قررت أن تسلم أمرها لله وبدأت بالدعاء. مع مرور الوقتزاد عدد المتواجدات داخل هذه الغرفة الصماء، وتبين لها أن المرحلة القادمة هيالأخطر.
عرفت ممن جئن بعدها أن على كل من تواجد هنا الدخول بشكل فردي لغرفة ثانية،وخلع الملابس بشكل شبه نهائي، وذلك بحجة الفحص، وليتأكد الاحتلال أن الصوت الذيتصدره الماكنة، غير ناتج عن مواد ممنوعة، ومتفجرات. بدأت الدنيا تعصف بها، وصارتالأفكار تتزاحم في مخيلتها، وأدركت أنها أمام موقف جلل. وللخروج من أزمة التفكيروالصراع، قررت أن تكون اول من يدخل لهذه الغرفة، وعاهدت الله أن لا تخلع ملابسها،فكيف لها أن تخلع ملابسها أمام الاحتلال، ـ وما سر هذا الإجراء، وهي التي حرصت ألاتحمل معها أي معدن، فخلعت حليها، وارتدت ملابس لا يوجد بها أي معدن، حتى منديلالرأس اختارته من النوع الذي لا يوجد به معادن، ولا دبابيس. وبالفعل كانت أول مندخل تلك الغرفة. غرفة جدرانها صماء، بها منفذ وحيد من زجاج سميك جداً، حتى لا تكادترى من يتواجد في الطرف الثاني.
خوف شديد سيطر عليها، ولكنها قررت أن لا تبدو كذلك. هنا الرحلة بدأت تأخذ شكلا ًآخر، صارت تسمع تعليمات فقط < سكر الباب.. مش هيك.. شد أيدك على الباب... وقف كويس.. اطلع هنا... شو اسمك... وين رايح.. اسمع شويبحكيلك بتساوي.. اشلح منديلك... بقول اشلح منديلك.. هذا اللي على رأٍسك اشلح... شوأنت ما بتسمع.. أنت ما بتفهم... أنا بحكي عربي... يا الله بدنا نخلص< استجمعتقواها كما تقول، وقالت بصوت مرتعش، أنا ما بشلح منديلي، عندها تحول الصوت الذي يصدرالتعليمات، وصار صراخاً.
شو أنت هنا مش أنت اللي بتقول شو بدك، اشلح وإلا بنجيبالشرطة. هذه النبرة، أعطتها قوة وصارت تقول بصوت عال أنا ما بدي أشلح، وجيبواالشرطة، بدأ الصراخ والتهديد وغير ذلك من أساليب بث الرعب في النفوس، وإجبار المرأةعلى خلع ملابسها دون كلمة، وذلك من خلال التهديد بقيام الشرطة بإجبارها على خلعالملابس، وهذا غير جيد. وأمام ما يجري، رفعت المرأة منديلها، وأنزلته عن رأسها،واعتقدت أن الأمر انتهى، لكن الاحتلال لا يقف عند حد. حيث جاء الأمر الثاني اشلح القميص، بسرعة، واشلح كل شيء، ولما تخلص بنقول لك تلبس من جديد.
هنا عادت وحملت منديلها، ووضعته على رأسها، وقالت جيبوا الشرطة، أنا ما بديش أزور، وما بديش أشلح، لكن هذا لم يرق للجنود داخل الغرفة الزجاجية، حيث استدعت المجندة أفرادا من الشرطةالرجال، وذلك في رسالة تخويف للفتاة، وتبعتها بتهديد إذا ما بتشلح رح نجبرك علىذلك، وما فيش ترجعي لبيتك إلا إذا سويت مثل ما بدنا. لم تخف هذه المرأة حجم الخوفالذي انتابها، ولم تنف أنها تمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها، بدلاً من أن توافق علىطلبات الشرطة، ولكن قررت الاستمرار في المواجهة. بعد نقاش، أخرجت من الغرفة، وذلكلإدخال أخريات. نقلت لغرفة ثانية، وتركت واقفة، دون أن يسألها أحد.
لم تعد تدريماذا يجري في الخارج. في هذه الغرفة بدأت مواجهة نفسية، وصارت شيئاً فشيئاً تدركأن الموقف يتحول لصالحها ولكن مخاوفها لم تتبدد. فصار أفراد الشرطة يفتحون البابعليها، ويسألونها ما بدك تزوري، فإن قالت لا، يسألونها ما بدك تروحي البيت، تقولنعم، فيقولون لها إذا لم توافقي على التفتيش لن تروحي البيت، سوف تذهبين السجن. تحاول أن تقنعهم، وما أن تبدأ الحديث حتى يغلقون الغرفة، ويغادرون المكان، ويقولالواحد منهم كلمة < فكري منيح<. هذه الحالة استمرت لأكثر من ثلاث ساعات، حضرتبعدها مجندة برفقة أفراد الشرطة، وساروا بها في المعبر، وهم يحاولون ترهيبها،وتخويفها، وكلما حاولت الحديث، صدر صوت واحد (هسسسسسس) وبعد حراك داخلالمعبر، وجدت نفسها عند المخرج، وناولتها مجندة بطاقة الهوية، وقالت لها ما فيشزيارة، روح البيت، وممنوع تزور مرة ثانية.
فهمت وإلا ما فهمت ، تبددت مخاوفها منذلك الموقف، ولكن كل أحلامها في اللقاء طارت أدراج الرياح، لن تزور أخاها، ويبدوأنها لن تزوره أبداً، هكذا هددوها، وبدأت الأفكار تتزاحم، ماذا لو وافقت؟ لماذا لمأر إلى أين يمضون؟ لماذا لم أتمكن من إقناع الجنود؟ ماذا سيقول أخي؟ هل سيغضب عليلأنني لم اف بوعده بأنني سأزوره؟ هل سيعذرني؟ بقيت في هذه الحالة تمشي خارج المعبر،سائقو السيارات ينادون على الركاب، فيما هي تمضي وكأنها خارج المكان، لم تعد تسمعإلا الأصوات التي خرجت منها، تهديدات بإجبارها على خلع ملابسها، وتسأل نفسها عماجرى، وهل خرجت بسلام، فتعود تؤنب ضميرها، بأنها سبب في عدم زيارة شقيقها في السجن. وفي خضم هذه الحالة تذكرت أن حمالة الصدر التي ترتديها، بها مشبك صغير جداً منالمعدن، فلعنت ذلك المشبك، وأفاقت على صوت أحد السائقين وهو يناديها وطلب منها أنتركب لأنها آخر راكب. ركبت السيارة وعادت إلى جنين، ومنها إلى بلدتها، ولا تزالتفكر في أمر تلك الزيارة التي لم تتم.
المصدر / صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية السبت 26-7-2008