على مسرح القصر الثقافي في رام الله وأمام حشد كبير من أهالي الأسرى والجمهور الفلسطيني، قلدت الحملة الشعبية لإطلاق سراح مروان البرغوثي وكافة المعتقلين قلادة الحرية نيابة عن الأسير القائد مروان لثمانية عشر أسيرا يقضون أكثر من ربع قرن داخل سجون الاحتلال.
قلادة الحرية التي كرم بها الأسرى القدامى يجلس على أرضها حصان يتأهب للقفز، محطما سلسلة الأغلال التي تقيد قدميه ،يجري في براري مفتوحة مزروعة بالسنابل ، يتدلى قرب رأسه غصن غار متجاوزا الإطار الحديدي وضيق المكان ،مقتحما الضوء الباهت وحدود الرابع من حزيران التي رسمت بأقدام جنود الاحتلال.
تكريم الإنسان الحي، المعذب، وانتشاله من العتمة والنسيان هو عنوان هذا المهرجان الذي ظل طيلة ساعتين يجوب بنا من سجن إلى آخر، يفتح بابا وراء باب، فيعطينا الفرصة لنصافح الأسرى، نرى وجوههم، نعانقهم بعد غياب.
عدنا خمسة وعشرين عاما إلى الوراء، الأسرى لم يعودوا شبابا، الشيب يغطي رؤوسهم، وقد زاد لمعان أعينهم حدة واتساعا.
ليست جميع أمهات الأسرى في القاعة لتحظى برؤيتهم، بعض الأمهات توفين بعد انتظار طويل، لهذا كان تصفيق الجمهور ممزوجاً ببكاء صامت وبحركة تشبه المشي البطيء في جنازات مرت أو جنازات موعودة.
ثمانية عشر أسيرا يمتطون أحصنتهم مروا من أمامنا، ذاهبون إلى النهاية، لم يتوقفوا عند مدينة بلا سيادة، ولا استجابوا لأوامر جنود الحاجز العسكري بالتوقف، كأنهم يقولون : إذا توقف الحصان سقطت المدينة وانسحبت السحابة.
عندهم من الحكمة ما يفوق الاقتباسات الكثيرة: حوار مفتوح مع المؤبد والظلام، يقظة على خط الاشتباك المتواصل لحما ودما ورغبة في الموت بلا قيود، جوعا يستعيد عباد الشمس في ارض الحكاية خارج مكر الزنازين.
مروان البرغوثي يعلم أن السماء ستمطر بعد قليل، وان السجان لم يعد شريكا في الحلم المشترك على الأرض المشتركة ، لهذا لم ينتظر حوارا لا يقود إلا لمزيد من السجون، ولا لباسا برتقاليا يطمس لون الحقيقة، ويجعل من الأسرى غبارا على الريح.
هو الحصان، الفكرة التي تتغلب على الحصار، القضية التي تنهض من التيه وخداع الكلمات وأوهام السلام، الجنود الذين يرسمون بأجسادهم حدودا للوطن، يحلقون بين الشتاء والصيف، بين الحضور والمنفى، يحمون المكان من الأسماء الغريبة، صهيل دائم في اللغة.
• سعيد العتبة لا ينظر إلى الوراء، يدخل العام الثاني والثلاثين، يعلن أن الطريق لم تنته، الرحلة ابتدأت، يقول : أنا اقرب من أي وقت مضى إلى حلمي وكلما زاد شعور أنني حي ازدادت قناعتي أن الجلاد غائب عن الحياة، لأنه يصارع على الرموز وأنا أصارع على ارض جسدي.
• فخري البرغوثي يلوح بيديه من على ظهر الحصان :لست بحاجة إلى من يؤرخني، أنا الحاضر، احمل من عتاد الأمل ما يكفي لألف عام أخرى حتى يئست الأسطورة من الإجابة عن أسئلة حريتي.
• نائل البرغوثي يعرف أن الطريق المعبد ليست طريق الحالمين، مشحون باللغة التي ترفع الروح إلى مستوى الخلود، وإذا كان الوقت من نسيان ، فلتمتلئ الذاكرة بأنقاضي لحين اكتمال النص بدمي.
• محمد أبو علي يطا الوحيد الذي يستبدل البرهان بأشعة من عينيه، فيرى ما وراء سجن نفحة، وابعد من صحراء لا يستوي فيها الشجر ولا الحجر ولا الإنسان، بدونه كل شيء ناقص، لهذا نحبه كثيرا ويكرهه السجان أكثر.
• حسن علي سلمة، عدو الجمود والجدران، حيوي يفتش دائما عن الحقيقة، بزرع الزهر في الظلام، يرفع السياج بقبضة يديه كي يصل القمر، هو من أكثر الأسرى الذين يشغلون السجان ، يجعله بلا خاطرة وبلا نوم وبلا يقين.
• كريم يونس،مهندس العلاقة الروحية والتاريخية بين حيفا ونابلس، فلسطيني لا يؤمن بالجغرافيا الاحتلالية الجديدة، ودائما له إجازة في الحلم على بحر يافا، ومشي على الأقدام في رام الله، هويته اكبر من وطن وأوسع من أمنيات سجين.
• إبراهيم جابر لا يعرف السكون، يتحرك مع الزمن كي لا يقطع سيف جلعاد التاريخ، يوقظ الرتابة، ما زال قاضي المحكمة العسكرية الإسرائيلية يحفظ اسمه لأنه دائما يعود إلى المحكمة بينما القاضي لا يطلب سوى مزيد من الحراسة ومزيد من المؤبدات.
• سامي يونس: الأكبر سنا في السجون، متصوف في الحرية، متحد بالمكان وبرائحة حيفا إلى درجة تفيض عن الحنين، يبني وطنا في السجن، وللوطن جسرا من عمره الطويل يربط العلاقة بين الوجود والحدود.
• أكرم منصور: الضحية تقف على قدميها، لم تمت بعد، لا يفهم الاستعارة التي تحوله من جندي إلى إرهابي، يسير كمقاتل في ساحة الفورة، يتحدى برج المراقبة، ولقدميه صوت يبشر بالزلزال.
• علاء الدين البازيان ليس كفيفا كما يظن السجان، هو يرى ، وعلى شبكة عينيه أفواج تتأهب من بعيد، شهداء يحلقون في سماء القدس ،لم يخلف الميعاد والصلاة،لهذا يتحاشى السجان النظر إلى عينيه لأنهما عينان من عاصفة وفيهما قوس قزح وعاصمة.
• ما هر يونس، يفرط الخروج من سجن شطة إلى الشمس، يجيد التحايل على المكان، بليغ في تعبئة الفراغ بالإيقاع والنشيد، يحفظ أشعار السياب ويستحم بالمطر، لا يأبه لليل الفاسد الذي يصاحب دخول السجان.
• عثمان مصلح: ابتسامة بحجم السماء، تستفز دولة إسرائيل وأسلحتها النووية، لم يشعر بالخسارة أبدا، ابتسامة تعذب الأقوياء المحصنين بالفولاذ، وبسببه لم تستطع مديرية السجون في يوم من الأيام أن تعلن تتويج النصر على الأسرى.
• علي المسلماني، يتغلغل أكثر في عمق السؤال، قلق على القدس وحاراتها وبخورها وجلالها المهيب، تلاحقه القدس بأجراسها وأذانها، يسترق السمع وهي تقترب من الباب كأنثى متأججة الشهوة متعالية الجمال.
• سليم الكيال: سلام على غزة، على حي الزيتون، على معين بسيسو وجيفارا والمخيم الذي يسير إلى الشاطئ يرفض الانفصال، لم يشرب سليم القهوة منذ الانقلاب، مصاب بحمى البحر، يهلوس دائما : لا احد لا احد ينتصر وحده حتى لو توجوه أميرا على الظلام.
• احمد ابوحصيرة ،كم مرة يلفظنا الحوار وينسانا اللقاء وتلهينا أضواء المؤتمرات والكلمات وكل ما حولنا أسلاك وموت بطيء وزنازين سوداء وماء لا يستجيب لضخة القلب، هنا الهواء ساخن، وأرقامنا تخفي أسماءنا وقد طالت الحكاية كما الاحتلال أيها الأحرار.
• فؤاد الرازم، يحاول السجان أن لا يكون سجانا، يطلب حوارا وتارة يطلب هدنة، يحاول أن ينتشر حول الزنازين ومن فوقها ومن تحتها ، يتعثر بحواجزه وبنومي، غير قادر أن يسحب سيفه من دمي، غير قادر أن يعيش وحده لان شبحي يغلق نبوءاته العسكرية.
• عصام جندل، يؤمن بالتحولات التاريخية ولا تأسره الجغرافيا واختفاء النجوم عن سماء القدس، ذاكرته مخزون للخيال الذي يستعيد البعيد، رعد وبرق حتى صار السجن بلا حراس.
حصان مروان البرغوثي يودع سمير قنطار الذي صدق أن الحرية لا تقاس بالزمن، وان الشعوب حرة بذاتها إن أتقنت اتخاذ القرار، وحولت السجن إلى عبء على الحالمين بالانتصار.